ابن عربي
315
مجموعه رسائل ابن عربي
ما أكل فقال لو مات ما صليت عليه كأنه يقول تعنيفا له قاتل نفسه فهذا هو الداء الطبيعي وأما الداء الديني الذي يؤدّي إلى هلاك الأبد فكونه يؤدّيك إلى فضول النظر والكلام والمشي والجماع وغير ذلك من أنواع الحركات المؤذّية وإذا كان على هذا الحد فواجب على كل عاقل أن لا يملأ بطنه من طعام ولا شراب أصلا فإن كان صاحب شريعة طالب سبيل النجاة فيتوجه عليه وجربا تجنب الحرام والورع في الشبهات المظنونة وأما المحققة فواجب عليه تجنبها كالحرام على كل حال من الأحوال فإنه ما أتي أحد إلّا من بطنه منه تقع الرغبة وقلة الورع في المكسب والتعدي لحدود اللّه تعالى فاللّه يا بني التقليل من الغذاء الطيب في اللباس والطعام فإن اللباس أيضا غذاء الجسم كالطعام به يتنعم حيث يحفظه من الهواء الحار والبارد الذين هم بمنزلة الجوع والامتلاء والظمأ والري فكل واشرب والبس لبقاء جسمك في عبادتك لا لنفسك فإن الجسم لا يطلب منك إلّا سد جوعته بما كان وقاية من الهواء الحار والبارد بما كان سواء كان خبز سهيد أو لحم أو قبضة بقل كلاهما يسد جوعته سواء كان حلة أو عباءة ليس عليه في ذلك شيء إنما المراد أن يصان من البرد والحر وأما النفس فلا تطلب منك إلّا الطيب من الطعام الحسن الطعام والمنظر وكذلك المشرب والمركب والمسكن والملبس إنما تريد من كل شيء أحسنه وأعلاه منزلة وأعلاه ثمنا ولو استطاعت أن تتفرد بالأحسن من هذا كله دون النفوس كلها لم تقتصر في ذلك والذي يؤدّيها إلى ذلك طلب التقدم والترأس وأن ينظر إليها ويشار إليها وأن لا يلتفت إلى غيرها ولا تبالي حراما كان ذلك أو حلالا والجسم ليس كذلك إنما مراده الوقاية مما ذكرناه فصار الجسم في هذه طالبا لما يصونه خاصة من أكل وشرب وملبس ومسكن وأشباه ذلك مما يصلح به وصارت النفس أو العقل الشريعة الكاسية والمطعمة له فإن كانت النفس المغذية له والناظرة في صونه خاض في الشبهات وتورط في المحرمات لأنها أمارة بالسوء مطمئنة بالهوى فهلكت وأملكته في الدارين لأنها ربما لا تبلغ مناها وطلبها لأن الأمر الإلهي رزق مقسوم معلوم وأجل مسمى ومحدد وأن كان العقل الشرعي المغذي له تقيد وأخذ الشيء من حله ووضعه في حقه وترك الشهوة من الطعام وإن كان حلالا كقبضة بقل وكسرة شعير رغبة فيما هو خير منه وآثر الجوع على الشبع والخشن على اللبن ففراشه ثوبه ووساده ساعده وغذاؤه ما تيسر وهمته فيما عند مولاه من رؤيته إلى ما دون ذلك مما يبقى بخلاف النفس فإن همتها وإن تعلقت بما هو أحسن في الحال فانظر مآل ذلك فإنها إن نظرت في المنكح نظرت